عين على بنغازي

تـبكيها عـيني لا لأجل كرامة *** لـكنما عـيني لأجـلها بـاكيه

كـانت ملاذاً للمنوب فأصبحت *** لـجميع أقسام الكوارث حاويه

هايابن حفتر هل دريت بقبح ما *** دبـرت عطشاً للدماء القانيه

أو مـا كـفاك قـتال غربنا آنافاً*** حـتى نزوت على بنينة ثانيه

أتحارب الإرهاب ياخنع الخنا *** وسـيوفك لـدم  الخوارج ظاميه

تالله انــك يـا حٌفيتر كاذب ***  ماأنت إلا نسخة للطاغية

أنسيت ياوجه الهزائم دائماً*** كم قد سفكت من دمانا الزاكية

إن كنت تنسى فالثكالى مانسوا  *** ماقد صنعت بأنجامينا علانيه

أوماغزوت تشاد ياقبح الورى مـترنماً *** مـنك الـشماتة بـاديه

وهناك في أوزو أسرت مذلة ***وبكت مآقيك الدموع الجاريه

وهزائم التاريخ تُحفظ عهدةً *** فهي إلى يوم القيامة باقيه

والآن ويح الآن رمت كرامةً ***مسفوحة فوق الرمال العاتية

وجريت مثل الجرو نحو مُذله ***تستجدي الفرعون نصر الغابية

جاءتك قسورة الأسود حماتُها *** حازوا بـنصرتها مراتب ساميه

ورموا جنودك في مذلة صاغرة *** وأقروا الأمن الأمان كما هيه

لـما دعـوك لـلوئام أجبتهم *** مستصغر الخد فردوا داعيه

أبنغازي تروم ياشر الورى ***أنسيت أن بنغازي تذل الغازية

وإذا سألتُ القوم عن أبطالها*** ترى في الوغى منهم جوابك ثانيه

وأمرت جندك في الجبال شواهقاً  ***يغزون كِكَلةَ وقَلعةَ عالية

ماتت قلوبهمُ فلم تجب لهداية*** تـباً لـهاتيك الـقلوب الـقاسية

لـهفي لعجائز قتلوافي كِكلةَ *** كـانت بـها أعمارهم مـتدانيه

ومـراسم أضـحت شواهد لا ترى *** منها سـوى ناع يواسي ناعيه

أنـست مصيبتهم مآسينا التي *** مرت وخففت الرزايا الآتيه

إرحل حفيترا عاجلاً خير لك  *** جد الرحيل وليس عندك باقية

يمم بشطرك نحو سيدك الذي ولى *** فالـعبد يلحق في االممات مواليه

شرق بوجهك أو فغرب حيثما *** تمضي ستلحقك الأسود القاضية

وجه القمر

من قال أن وجه القمر البهي إذا غابت صفحته الوادعة لن يبزغ هلاله من جديد؟ من قال أن وجه الشمس الساطع إذا غرب لن يشرق نوره من جديد؟ تحية للصامدين هناك في إباء ينتظرون بزوغ فجرٍ سيشرق حتماً عما قريب!

توارتْ كقمرٍ وراء السحابْ

بدا النُّورُ ألِقاً يهزُّ العتابْ

غَزا في إباءٍ قُلوبَ العبادْ

سرى في تماهٍ طريَّ المنابْ

منيعَ الزوايا مهيبَ الجنابْ

لها الناسُ أهدوا المنى والثوابْ

وأسهبوا الوجدَ طيَّ الكتابْ

فأيُّ شعاعٍ طواهُ حجابْ؟

وأيُّ سراجٍ كَفَرْهُ نقابْ؟

وأنَّى لليلٍ يواري السَّناءْ

متى حان وقتُ بزوغِ الإهابْ؟

وأنَّي لطيفِ الخيالِ السَّرابْ؟

يُقارنْ بشهد زُلالِ الشرابْ؟

هي ثورةٌ من رياضِ الشّعابْ

مُشْرَعَةٌ كسُدُولِ العُبابْ

هيِ ثورةٌ مٍنْ أُتُونِ الشُّعوبْ

يسيرُ بها اليومُ هذا الشبابْ

روحُها روحُ طيفٍ نديُّ الوجابْ

ففيها السَّلامُ وفيها الوئامْ

لكنَّ فيها بذورُ العقابْ

ألاتفهمونْ؟

ألاتُبصرونْ؟

ألاتعقِلونْ؟

إنَّها تَرْفَعُ راياتِها فيْ إباءْ

تُرَفْرِفُ دَوْمَاً بِدونِ إضطَّرابْ

لِتَعْلُوَ فوقَ الرُّبى والهِضابْ

وتَعْلُوَ فوقَ رُؤُوسِ الرُّؤوسْ

لِتُخْفِض هاماتِها العالياتْ

وتُنْغِصَ راياتِها في التُّرابْ

العتاب:. ذوي الشأن والسلطان

سُدُولِ العُبابْ: أمواج البحر

عبدالسلام القطيط، اوبسالة، السويد، فجر 11 فبراير، 2011

ثورة الشعوب

لملم جراحك وانتفض يا عنترة

فخيولُ جيشك قد غدتْ مُستنفــرَة

لا تخش رِدَّةَ جُنْدِك أبداً، فقد 

شبَّت عـن الطوق العتيق المفخرة

من ضيئضيء النسل العريق تحدَّروا

وتجذَّروا وتمشَّقُوا فوق الجيادِ الباهرة

إيمانهم بقلويهم يحذو بهم

للمجد لايرجون غير المغفرة

هيا انتفض.. قاتل بهم

وارفعْ لواءَ العزِّ وابغ الكوثرة

ولْتنظمِ الشعر الجميل مُحَمِّساً

فالشعـرُ تعبئة تُحَمِّي العسكرة 

هل قلت لا؟ أم قلت كيف تغيروا؟

دعني أبين في ثلاثٍ ماجرى

1

أرأيتهم في تونسَ الخضراءَ؟

والرَّكبُ فوجٌ والحناجرُ مُنْذِرة

فرَّ الرئيسُ أمام حشدِ جموعِهم

لمَّا تقدَّمتِ الجُموعُ لتأسُرَهْ

فُجِعَ الزعيمُ الجارُ وانبرى ناصحاً

ياويحَ زينٍ من دُعاة الجمهرة

زينٌ هو خير رئيسٍ فيكمُ

هو قدُ بنى مجدَ العصورِ المُزْهِرَة

وهو خليق بالإمارة ماحيا

فلتتركوه يعيث فيكم مايرى

ماكان يعني تونُسَ إنَّما

إياكِ أعني وإسمعي يامُقْفِرة

2

وهناك في أرضِ الكِنانة ظالمٌ

مُتشبِّتٌّ بالحكم يهوى السَّيطرة

جاءتهُ مصرُ بالشَّباب وشيبها

تدعوه سِلْماً أن يغادِرَ مِنبره

لكنه في غيظه الدَّامي أبى

وتفكَّرَ بعدَ الخِطَابِ مُبَاشرة

وتمعَّنَ، وتشاورَ، وتدَبَّرَ

فتفتَّقَ عن خِطةٍ 

تُجلي الجُمُوعَ السَّادرة

“بلطجيَّةٌ ”في القاهرة

تغزو الشَّبابَ المستنيرَ، بِخيلهم

وبغالهم فوق الجمال النافرة

وقفَ الشَّبابُ الحرُّ سدَّاً مانعاً

كالطَّود في وجه الوحوش الكاسرة

ماهادَنوا مااستسلموا بل مرَّغُوا

في الطِّين هاتيك الوجوه المُقْتِرة

وإذا البواسل يهدرون بعزِّهم

إرحل فماعادت لديك المقدرة

3

يرحل مبارك

تستطيلُ الدَّائرة

يأتيك دوركْ

..لم تصدقْ

لمَّا تبدُّوا بوجوهٍ مُقْمِرَة

جهَّزت قبْرَكْ 

لما خطفته 

هبُّوا قبيل الموعد في لهفة ملتاعةٍ

مَنْ أَسَرَه؟

ماذا جنى ابنُ تَرْبَلِ الذي

كان يُحامي عن ضحايا المجزرة؟

قابلتهم مُسْتِهزئاً مستصْغرا

هاجمتَ بنغازي وكنت تظنها

ساغت لك كذليلةٍ مُتَدَمِّرة

أنت استهنت بشيبها وشبابها

كيداً أردت لها دوماً وشراً مُضمرا

قالوا نريد العدل والحرية 

لاسلطة الشعب التي شنَّفتها مستهترا

فقذفت في وجه الجموع بحقدك

حمماً تؤججها الــقـــذائفُ ممـــطـــرة

هـذا الشباب يرى القنابلَ حولَهُ

متساقطاتٌ والمدافعُ مُشْهَرة

والطائراتُ تصبُّ في الأرض اللظى

من فوق هاتيك الرؤوس الطاهرة

فتزيدهم في الحقِّ كل صلابةٍ

ويمدهم بالعزم حبُّ المغفرة

يستقبلون لظى المدافعِ والنوى

وكأنهم يستقبلون ورداً مُمْهِرا

“مَرْحَبْ بِلُجَنَّة جَتْ تِدَّنَّى“ 

كان شعارهمْ.. كالأولين

وأنت كنتَ مُدَمِّرا

مالفرقُ بينك والطلاينةُ الأُلى

ياقائداً ياملهماً يامسخرة؟

درنة وطبرقُ والبيصاءُ تذكرك

أنت الذي دكَّ الجبالَ العاطرة

بلدُ الصحابة والنجابة والنهى

هَبُّوا فوارسَ فاستعادوا السيطرة

زِنْتانُ هبَّت والرجالُ تأهَّبوا

فكوا الحصار وأُعْلِنت متحررة

مصراتةُ آلتْ على أكبادها

لايرجعون بيوتهم إلا سرى

قد حرروها واستردوا عِزَّهم

رَجْلاً وخَيْلاً مستثيرين الثَّرى

كوَّرت قبضتك البغيضة نافثاً

سُمَّاً زعافاً أسوداً ومُقَطَّرَا

شدَّدت أمنك في طرابلسَ التي

المُرَّ ذاقتْ منك ياشرَّ الورى

ولممتَ في سرتَ الأسيرةَ جندك

من قد شريت بمال ليبيا من ترى

يافارس الصحراء صرت طريدةً

جُرذاً مَهينـاً تائهاً مـــــا أحقــرَه

إرغي وأزبد ماقدرت بصوتك

فلسوف تنحرك الأسودُ الهادرة

ولسوف يعلوا في السماء زئيرها

الله أكبرْ.. قد ذبحنا مُعَمَّرَا

السرى: الشرفاء

عبدالسلام القطيط

2011/3/1

حروف السراب

عند البزوغ واسرجْ خَيْـلَ لاءَاتـيِ 

أسْـقي الحبيب شَرَايِينـِي وأوْرِدَتـيِ

وأمنحه دفء الشرق 

في برد الدناءاتِ

ودع نفثة السحر لي أنا وحدي

فلسوق أحرقها حرقاً

وأكتم كل آهاتي

أمسى ينوء بلُجِّ الشوق دفق دَمـيِ

 ويَسدل الليل ستراً صوت آهاتي

هلْ يرسم الفجر مـن أزهار نافذتي

نقشاً على الماء أم حرفاً في سراباتي؟

أو ترفع الغيد حولي ألفُ مِبخرةٍ

تقصي كرى السهد فـي تيه النّدَاءَاتِ؟

الليل يَهمس في إذنيك

في ضجرٍ

أسرِ بسحرٍ قبيل يومك الآتي

وهاأنذ أناجي طيفاً كنت أعرفه

يا سامر الليل مهلاً 

هذا بدرك العاتي

أقْدم على نوء الإغفاء ملتحفاً

أَضغاث حلمك فـي مُذق الخداعات

واقرض بِنابك حُر الشعْرِ منْ كمدي

واغرس بيدك

بينَ القص مبراتي

طُفْ بفؤادي..على مَرْمَى جَوانِبـهِ

فلن تجد غير دفء جَنَّاتـيِ 

هـذا أنا تحيا بقلبي رؤىً ماتت مناهلُها

لديك

ولم يعد لدي منك من باق

والريحُ تَزمجر فـي أَعباء ذاكرتي

فلاأسمع غير أَصْـداءً لأصْواتـيِ

حبيبتي مصراتة

يامن في القلب أنتِ تسكنينْ

يامن إذا سمعتُ إسمَها يهزني

الشوقُ ويطربني الرنينْ

تُرى هل أنتِ تعرفينْ؟

بأنك تاجٌ مرصعٌ على الجبينْ؟

وأنكِ لؤلؤةٌ فريدةٌ من نوعها

إذا وضعتُها بين اللآليء تبينْ

بريقها يسري بضوءٍ آسرٍ

فيخطفُ الأبصارَ

 في عيون العاشقينْ

وأنكِ بهيةٌ وأنك رائعةٌ

وأنكِ جميلةٌ واللب تخلبينْ

وأنك رقيقة كنسمة عليلةٍ

تهب في البكورِ

 فوق زهر الياسميْ

 وأن عطرك شذىً

 يضوع في المدى

 فيملء الدنى 

 بالحب والحنينْ

وأن حضنك الدافئْ

يمدني بكل ماأحتاجه

لكي أواصل الطريق في يقين

 أحبك حبيبتي

فأنت من عرفت مذ نعومة اليدين

وأنت من علمتني الهوى العذري

وأنت من سقيتني من مائك اللجينْ

وأنت من كبرت في سمائها

وأنت من منحتني إهابك الثمينْ

وأنت من أظلني مبكراً نخيلُها

وأنت من شذوتُ دائماً بلحنها الرصين

وأنت من لعبتُ في مروجها الجميلة

وأنت من واكبتني من مطلع السنين

وأنت من جريتُ في حاراتها القديمة

وأنت من سبحتُ في شاطئها الأمينْ

 أعشقكُ.. حبيبتي

فأنتِ من تصدى للطاغي الدنئ

وأنت من هزمته وجيشه المشينْ

أراد وهماً كسر أنفك الأبي

لكنك علمته الصمود في العرينْ

وأنت من وقفت في ثبات سرمدي

وأنت من أسرته في جحره المهينْ

وأنت من قتلته جزاء كل ظلمه العتي

وأنت من فرجته للناظرينْ

وأنت من قبرته في موقعٍ سري

وأنت من ختمت حكمه اللعينْ

 وأنت ياحبيبتي مصراتة

هناك في إباءٍ تقبعين

 أهواكِ.. أعشقكِ..

 أحبك حبيبتي

فأنتِ حقاً بهجةٌ للنفس

وقرةُ للعين 

 الجمعة

26 صفر 1433هـ

الموافق  20 يناير 2012

الأبعاد الرمزية في ثلاثية غرناطة

ثلاثية غرناطة رواية حائزة على جائزة أحسن كتاب في مجال الرواية لعام 1994م من معرض القاهرة الدولي للكتاب، وكذلك على الجائزة الأولى للمعرض الأول لكتاب المرأة العربية في نوفمبر 1995م.

غرناطة… مريمة … الرحيل…

تصور هذه الرواية بفصولها الثلاثة الحياة اليومية للمسلمين في الأندلس قبيل سقوط غرناطة بقليل، وتسرد أحداثها أحوالهم في آخر معاقلهم إلى أن تم إقصائهم بالكامل عن الأندلس، وذلك عبر التمعن المتقن في شخصيات الرواية الرئيسية على نحو غير مسبوق في تصوير الحياة في تلك الفترة الهمة من تاريخ المسلمين.

لقد تجاوزت الكاتبة “رضوى عاشور” في ثلاثيتها السرد التاريخي التقليدي للأحداث دون أن تتوقف عن السرد لحظة واحدة. ولعل هذا هو سر نجاح هذه الرواية، فهي كما يقول علي الراعي: “تجعل حقائق التاريخ تنتفض أمامنا حارة دافقة”. قضت رضوى عاشور جزأً مهماً من حياتها متنقلة مابين أسبانيا وبريطانيا وأمريكا. ولعل هذا ساهم إلى حد كبير في إثراء مخيلتها الخصبة بصور واقعية لشخصيات الرواية، وأوصاف دقيقة للعادات والأحوال السائدة في تلك الفترة، وذلك بجانب ماتتمع به من أسلوب لغوي بالغ الروعة. إن الرواية برغم رمزيتها التي لا تخفى عن المتمعن، لتغوص بالقاريء في أدق التفاصيل للحياة اليومية للناس في تلك الفترة، حتى لكأنك تشم رائحة الفطائر المقلية في زيت الزيتون (وهي مايطلق عليها الآن في شمال أفريقيا “السفنز” أي الأسفنج لشبهها به)، وحتى كأنك تتذوق معهم الكسكسي المزين بلحم الظأن، وحتى لكأنك تجالس أباجعفر الوراق منذ اللحظة التي رأى فيها في بداية الرواية تلك المرأة الغريبة العارية تنحدر في إتجاهه من أعلى الشارع وهو يغطيها بحرامه الصوفي الأبيض بينما هي ماضية في طريقها دون أن تأبه لأسئلته المتلاحقة لها من هي وماأسمها ومن تكون وأين دارها إلى أن يبتلعها الطريق المنحدر، ولعل هذا هو البعد الرمزي الأول في هذه الرواية، فماكانت تلك المرأة إلا غرناطة ذاتها أو الأندلس برمتها، وقد تعرت من كل عزها ومجدها وشرفها وإنحدرت بعد علوها إلى أن إختفت من على وجه الأرض تماماً، كما أختفت تلك المرأة العارية، التي رآها أبوجعفر في حلمه الذي أرادت الكاتبة أن تجعله بداية الرواية وتقدمه للقاريء وتبديه له كأنه حقيقة. وهي تستمر في إتباع هذا الأسلوب على نحو يبدو منهجياً خلال الراوية كلها. فيبدو لك أنه يتناهى إلى مسامعك طقطقة النار المشتعلة في الحطب وفي جسد سليمة الصامدة وهي مرفوعة الرأس، وقد تغلغل في شعاب ذاكرتها المتقدة بالأحداث كما النار المشتعلة في جسدها، فيخيل إليك أنك تراها وهي تلتهم الكتب مند نعومة أظافرها، وتراها وهي تسابق الريح منحدرة من حارة البيازين مع حسن أخيها سعد ونعيم اللذين كانا يعملان عند أبيها ثم صارا كأفراد من العائلة، وتراها تراقب بشغف لاحدود له أولئك القادمين لتوهم من العالم الجديد “أمريكا” وقد صحبوا معهم الفواكه الغريبة والذهب والعبيد الجدد يتقدمهم قائد الرحلة الإستعماري الأهداف “كولومبوس”.. ثم تتبدى لك سليمة وهي تجري التجارب في طموح لايندمل فتستخرج الأدوية وتعالج الناس وتصير من طبيبات غرناظة االمعروفات إلى أن يقبض عليها بتهمة الشعوذة وممارسة السحر الأسود والإنتماء سراً إلى الإسلام، حيث أن كل المسلمين الذين بقوا أحياء أجبروا إبان تلك الفترة على إعتناق الكاثوليكية والتسمي بأسماء مسيحية قشتالية، ومن وجد يمارس أية شعيرة من شعائر الإسلام، يقدم للمحاكمة ويقتل حرقاً بالنار، هذا طبعاً بعد أن يتعرض إلى أشد أنواع التعذيب الجسدي والنفسي تحت إشراف الآباء والقسيسين والرهبان، على نحو لم يعرف التاريخ له مثيلاً. وقد نقلت الرواية طرفاً صغيراً من محاكمات التفتيش مصورةً ذلك النقاش البائس الذي كان يدرور بين القضاة بخصوص سليمة، كما نقلت ذلك التوجس الرهيب الذي كان يعاني منه المسلمون بعد أن سلموا غرناطة، وتلك الإجراءات المتعسفة التي ظل يتخذها القشتاليون ضد المسلمين برغم أنهم أضطروا لإعتناق المسيحية والتسمي بأسماء قشتالية وممارسة كل الطقوس الدينية المفروضة عليهم فرضاً بقوة القانون وسطوة السيف.

لقد تسنى لي قراءة هذه الرواية وأنا في رحلة من أثينا إلى أمريكا إستمرت عشر ساعات كاملة. وتابعت من مقعدي في تلك الطائرة اليونانية المنطلقة فوق المحيط الأطلنطي سعداً وقد توغل في لحظة غضب في شعاب الجبال لينضم إلى الثوار المسلمين الذين إعتصموا بالجبال وظلوا يغيرون على المدن القريبة لينالوا من القشتاليين بقدر مايستطيعون، وإذا بسعد يتحول إلى واحد من أبرع المهربين للأسلحة والعتاد إلى الثوار في قمم الجبال، ويغيب تماماً عن غرناطة إلى أن يوقع به، ويعذب عذاباً رهيباً قبل أن يسلم إلى غرناطة ليشهد بأم عينيه زوجته سليمة وهي تلتهما النار. وتابعت نعيماً الغارق في الحب مع كل غادية يراها في أزقة غرناطة أو على حافة نهر أو في وجه إمرأة يافعة مقيدة اليدين والكاحلين مع العبيد الذين جلبهم كولومبوس معه من أمريكا، إلى أن يطوقه الحب فيرتبط بواحدة من نساء تلك البلاد الجديدة بعد أن تبع سيده القس الذي هاجر إلى أمريكا ليكتب بعض الكتب هناك. وتابعت حسناً الذي فقد بناته الخمسة بزواجهن بعيداً عنه إلى إخوة شباب من عائلة مسلمة كانوا من المرضي عنهم، ثم غضب عليهم حكام الأندلس الجدد فشردوا بهم، ومعهم شرد ببنات حسن اللاتي لم يرهن بعد ذلك، وخسر خانه، وصار قعيداً كسيحاً. فينتقل المشهد منه سريعاً إلى زوجته مريمة القوية السريعة البديهة والتي تتماسك إلى النهاية برغم المحن والألم والحزن، حتى تموت وهي على ظهر حفيدها “علي” الذي كان يحملها دون أن يدري أنها فارقت الحياة أثناء الرحيل الجماعي القسري لكل المسلمين القدامى وأبنائهم وأحفادهم، الذي أمر به حكام غرناطة. ماتت “مريمة” والدموع لم تزل رطبة في مآقيها. وتتراءى حياتها لي وأنا أقرأ الرواية فأراها وهي في بيت أبيها المنشد لقصائد المديح، ثم في حضن أم جعفر جدة زوجها حسن الطيبة القلب، ثم تصير صديقة حميمة لسليمة التي صارت تحثها على القراءة والتعلم. ثم أراها في بيتها في حارة البيازين وبيتها في عين الدمع، حتى أكاد أسمع حركة يديها وهي تعجن فطائرها وتحملها كل صباح لتبيعها وتعول حسناً ونعيماً وحفيدها الطفل النامي “علي” إبن إبنها وإبن بنت سليمة وسعد. علي الذي استبدت به الرواية عن قصد لتجعله عقيماً بلانسل، وحيداً بلا أحد، غريباً بلا أنس، مثله مثل غرناطة أو الأندلس ذاتها. إذا كانت مريمة هي الرمز لكل أولئك الذين ماتوا في الأندلس المفقودة، فإن علياً هو الرمز لكل أولئك الذين تعذبوا طويلاً ثم ذابوا في الخضم الجديد. عاش بعيداً عن أبيه، الذي انضم إلى الثور مند مطلع شبابه، وفقد أمه وهو صغير، وفقد الجميع وهو صبي، وأحب حين أحب طفلة يواربها باب بيتها، ليظل طيفها يراوده طوال حياته، لتتراءى له في شخص طفلة أخرى وهو في مكتمل رجولته، فلايمنحها إلا الإهتمام من بعيد والحلم بنهاية هو يعلم أنها لن تحدث. وشرد به وطاف هنا وهناك، وسجن وأخذت منه أملاكه ووقع على بيعها حين لم يبعها، لينتهي به المطاف في الجعفرية، ثم مختاراً أمام البحر ليقرر البقاء في الأندلس مخلفاً البحر وراء ظهره وينسل إلى الداخل بين أفواج البشر الغادين هنا وهناك. ليذوب وحيداً من غير نسل داخل تلك الباسلة التي صارت شيئاً غير الذي كان. لقد كان علي وأحلامه الغير مشبعة هو الرمز لأولئك الرجال والنساء الذين ذابوا في الحياة الجديدة كما يذوب الملح في آخر الأمر في الماء.

لقد بينت الرواية كيف تشبت المسلمون بكل ماتبقى لهم من دينهم، وكيف وقفوا صادمين برغم الحيف والظلم والقمع الذي أحيق بهم بعد أن تم إبتلاع “غرناظة” من قبل القشتاليين…غرناطة أجمل بلاد الدنيا في ذلك الوقت..وآخر معاقل المسلمين في الأندلس.

وبرغم بعض الهنات، مثل الشك الذي عصف بإيمان أبي جعفر، ثم بسليمة إبنته، بشكل لايتناسب مع قوتهما وصلابتهما. ومثل فقر الرواية من الحوار الآخر، فنحن نرى القشتاليين ونسمعهم من خلال أعين الغرناطيين المسلمين، فبإستثناء ذلك الحوار القصير بين القضاة القساوسة الذين حاكموا سليمة، تكاد تخلو الرواية من تصوير الحياة على الجانب الآخر عند القشتاليين. كما أن الرواية تكاد تخلو من الإسقاط المكاني الذي كان من الممكن أن يوظف بشكل جيد، فبإستثناء ذلك السرد الرائع لذلك الحاج الغرناطي الذي وصف لزواره الأماكن المقدسة وصفاً رائعاً دقيقاً أعتقد أن الكاتبة بدلت فيه جهداً خارقاً لتأتي به على هذه الصورة، كما وصف لهم القاهرة في تلك الفترة وصفاً جميلاً أخاذاً لابد أن الكاتبة إستعانت فيه برسومات وكتب ومعلومات لتأتي به على هذه الصورة التي تشعر القاريء وكأنه قد مضى إلى ذلك الزمن الغابر ورأى عياناً كل تلك الأشياء. أقول والكمال لله وحده، أن الرواية كان من الممكن أن تستخدم إسلوب الإسقاط المكاني بنقل صور وأحداث متزامنة في المشرق الإسلامي، لتحاول مثلاً أن تفسر لماذا تقاعست الخلافة العثمانية وهي في أوج قوتها في ذلك الوقت عن نصرة المسلمين في الأندلس.

برغم كل ذلك وغيره، إلا أن رواية ثلاثية غرناطة للكاتبة المصرية رضوى عاشور هي رواية جميلة العبارة، جانحة الخيال، مفعمة بالصور، مزدانة بالألوان، شاذية بالروائح وممتلئة بالحركة والنشاط. إنها رواية تأخذ بقارئها وتعبر به حدود الزمان والمكان، وهي تعد الأولى من نوعها التي حاولت تجسيد هذه الفترة التاريخية شديدة الأهمية من تاريخ المسلمين في الأندلس على هيئة رواية أدبية متكاملة وليس على نحو سرد تاريخي مطبوع.

عندما كانت الطائرة تستعد للهبوط في مطار نيويورك، كنت أطوي الصفحة الأخيرة للرواية، وكان يروادني شعور أنني بالفعل كنت هناك أجوب أزقة حي البيازين القديم وأتذوق طعم الملح في رذاذ البحر المتراطم على شفتي، وأنا أرقب علياً وهو يذوب مثل الملح في أفواج البشر الذين كانو ينطلقون في كل إتجاه حتى إختفى تماماً عن ناظري، مع آخر صفحة من صفحات الرواية، وأنا ألملم أوراقي لأستعد لمغادرة الطائرة، أو الرحلة ذات الأبعاد الثلاثة. ولقد كانت الرحلة في شوراع غرناطة العتيقة التي أخذتني الرواية إليها خارج حدود الزمان والمكان أمتع بكثير من الرحلة فوق المحيط الأطلنطي، غير أن الأولى إستمرت مئة عام والثانية لم تتجاوز العشر ساعات مند أن إنطلقت الطائرة من مطار أثينا. أي أنني عشت كل ساعة منها بعشر سنوات هناك.

إن ثلاثية غرناطة هي بلا شك رواية تستحق عناء قراءتها والتأمل فيها.. بل هي رواية لاتكلفك العناء أثناء القراءة، إنما تفرض عليك العناء فقط إذا فكرت أن تتركها قبل أن تنتهي من قراءتها

عبدالسلام محمد القطيط

مجلة فيلادلفيا، درنة

27 يناير 2008

A New Book in Research Ethics

Case Book on Ethical Issues in International Health Research

Summary
This casebook collects 64 case studies, each of which raises an important and difficult ethical issue connected with planning, reviewing, or conducting health-related research. The book’s purpose is to contribute to thoughtful analysis of these issues by researchers and members of research ethics committees (RECs, known in some places as ethical review committees or institutional review boards), particularly those involved with studies that are conducted or sponsored internationally.

This collection is envisioned principally as a tool to aid educational programmes, from short workshops on research ethics to in-service learning for scientists and REC members, to formal degree or certificate courses. In such settings, instructors will typically select a number of case studies that will be distributed to the participants to provoke and focus discussion. (To assist those using these case studies in their classrooms and workshops, a teaching guide has been included.) Individuals who want to stimulate their own thinking about research ethics or to become more familiar with a range of real-world dilemmas in international health research, especially in developing countries, may also benefit from perusing this book, either on topics of special interest to them or as a whole.